محمد بيومي مهران
340
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
باعتبار أن الضمير في « ملئهم » راجع إلى قوم موسى ، بل إن القوم برموا بموسى وضجروا به ، و قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا « 1 » . هذا ويذهب المفسرون والمؤرخون المسلمون إلى أن الأصنام التي وجدها بنو إسرائيل بعد انغلاق البحر ، إنما هي تماثيل بقر ، وذلك ، فيما يرى البيضاوي ، أول عبادة العجل ، ويقول الطبري في تفسيره أن القوم كانوا يعبدون أصناما على صور البقر ، فلما كان عجل السامري شبه إليهم أنه من تلك البقر ، ومن ثم فقد أثار ذلك شبهة لهم في عبادة العجل بعد ذلك ، وأما صاحب البحر المحيط ، فقد أورد روايتين ، الواحدة تذهب إلى أن البقر كان بقرا حقيقيا ، وتذهب الثانية إلى أنه كان تماثيل بقر من حجارة وعيدان ونحوه ، وكان ذلك أول فتنة العجل ، على أن الإمام السيوطي إنما يذهب إلى أنها تماثيل بقر من نحاس ، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر ، فذلك أول شأن العجل لتكون للّه عليهم حجة فينتقم منهم بعد ذلك ، ويقول ابن عطية : الظاهر أنهم استحسنوا ما رأوا ، فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى ، وفي جملة ما يتقرب به إلى اللّه تعالى ، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى : « اجعل لنا إلها نفرده بالعبادة « 2 » ، فإذا كان ذلك كذلك ، فإن القوم ما عرفوا بعد دعوة التوحيد التي جاء بها موسى عليه السلام ، ومن ثم فما آمنوا بعد برب موسى ، أو على الأقل أكثرهم ، حتى بعد انغلاق البحر ، وما سبقه من معجزات ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى : وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ « 3 » ، وتقول التوراة « فخلص الرب في ذلك اليوم إسرائيل من يد
--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية 129 . ( 2 ) تفسير البيضاوي 3 / 25 ، تفسير الطبري 3 / 80 - 84 ، تفسير المحيط 4 / 377 - 378 ، تفسير الدر المنثور للسيوطي 3 / 114 ، مختصر تفسير ابن كثير 2 / 47 ، صفوة التفاسير للصابوني 1 / 468 ، تفسير النسفي 2 / 74 . ( 3 ) سورة الشعراء : آية 65 - 67 .